الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

289

الأخلاق في القرآن

وأشارت « الآية الثّالثة » ، إلى علاقة الصّلاة بالنّهي عن الفَحشاء والمنكر ، وخاطبت الرّسول الكريم صلى الله عليه وآله ، باعتباره قدوة وأسوة للآخرين ، فقالت : « وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ » . « فالفَحشاء والمنكر » ، عبارةٌ عَنْ مجموعة الأفعال غير الأخلاقيّة ، التي تنبع وتنشأ من الصّفات الأخلاقيّة ، والنّزعات الشّريرة الموجودة في مطاوي النّفس البشرية ، حيث تؤثّر بدورها في سلوك الإنسان ، وتفرز الأخلاق الظاهريّة لَه ، و « الصّلاة » تمثّل أَداةَ ردعٍ لتلك الأخلاق المنحرفة ، في دائرة السّلوك ، لأنّ الأذكار والأدعية ، تعمل على تهذيب النّفس ، وترويضها وتطويعها في طريقِ الخَير والصّلاح ، وحالة القُرب من الباري تعالى ، هذه هي التي تتولى إبعاد الإنسان عن منبع الشّر والرّذيلة ، الذي هو عبارةٌ عن هوى النّفس وحبّ الدنيا ، من خلال الانفتاح على آفاق المَلكوت ، لِتَغرف نفسه من أنوار القُدس ، وترتفع به إلى عالم الخلودِ والكَمالِ المُطلق . فالمصلّي الحقيقي سيبتعد عن الفحشاء والمنكر لا مُحالة ، لأنّ الصّلاة والعِبادة تَصون النّفس من المنكرات ، وتحول دون إختراق الرذائل للنّفس الإنسانية ، وتعمل على تَفعيل عناصر الخَير ، في أعماق الوِجدان . وتحدّثت « الآية الرابعة » عن حالة الجَزع والبخل ، اللّذان هما من السجّايا الوضيعة في واقع الإنسان ، وخُصوصاً الجَزع في حالة سيطرة المشكلات والشّرور ، والبُخل في حالة إنفتاح أبواب الثّراء أمام الإنسان ، وإستثنت الآية المصلّين ، وقالت : « إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ » . فهذه الآيات الكريمة ، تبيّن لنا بصورِةٍ جيدةٍ ، أنّ التّوجه للَّه تعالى ، والسّير في خطّ العبادة والدُّعاء والمناجاة ، له دورٌ هامّ في مَحو الرّذائل الأخلاقيّة ، من قبيل البُخل والجّزع من واقع النّفس .